دفتر سليمان

مقال

أن أتعلم شيئًا لمجرد أنني أحبّه

تأمل في التعلم الذي يبدأ بالفضول والمتعة: منح المحاولة الأولى وقتها، وقبول دور المبتدئ، وترك الاهتمام ينمو بالحجم الذي تتسع له الحياة.

قد تستوقفني طريقة رسم خط، أو كلمة في لغة لا أعرفها، أو نغمة أود أن أميزها حين أسمعها مرة أخرى. وقبل أن أقترب منها، يمكن أن يسبقني السؤال المعتاد: ماذا سأستفيد من هذا؟ السؤال مفهوم، خصوصًا حين تتنافس أمور كثيرة على الوقت. لكنني أريد أن أترك احتمالًا آخر مفتوحًا: أن أتعلم شيئًا لأنني أحب الاقتراب منه، دون أن أعرف بعد ما الذي سيصبح عليه.

بين العمل والبحث توجد معرفة أحتاج إليها لأؤدي مسؤولية محددة. لها موعد أحيانًا، ومستوى من الدقة لا أستطيع تجاوزه. أما الرغبة التي أتحدث عنها هنا فلها إيقاع مختلف. قد لا تجيب عن مشكلة، ولا تضيف مهارة إلى سيرتي، لكنها تجعل تفصيلًا من العالم أقرب إليّ. أحب أن يكون لهذا النوع من التعلم مكان أيضًا.

قبل أن أسأل عمّا سأصنعه بهذا

في «كيف أختار ما أتعلمه حين لا أستطيع متابعة كل شيء؟» تناولت اختيار السؤال والعمق المناسب له. وأعود هنا إلى الباب الذي لا يبدأ بحاجة ملحّة: الفضول نفسه. ما الذي يتغير حين أسمح لاهتمام صغير أن يبقى صغيرًا، وأمنحه بعض الوقت دون أن أطلب منه خطة واضحة للمستقبل؟

يمكن أن أتعرف إلى شكل موسيقي دون أن أقرر تعلم آلة، أو أقرأ عن نبتة دون أن أبدأ مشروع زراعة، أو أحاول كتابة فقرة لأنني أحب وقع كلماتها. قد تنمو الرغبة لاحقًا، وقد تكتفي بهذه المساحة. لا أرى أن قيمتها تتوقف على تحولها إلى التزام أكبر.

وأحتاج إلى الانتباه حين أنتقل بسرعة من الإعجاب بشيء إلى تنظيمه: قائمة طويلة، وموعد يومي، ومستوى ينبغي الوصول إليه. التنظيم قد يساعدني عندما أطلبه، لكنه ليس شرط الدخول. ربما كانت البداية المناسبة سؤالًا واحدًا أو محاولة قصيرة، تترك لي فرصة أن أعرف ما أحب فعلًا، قبل أن أحدد ما سألتزم به.

المحاولة الأولى ليست اختبارًا لهويتي

لنتخيل شخصًا يريد رسم كوب أمامه. ينظر إلى بياض الصفحة، ثم إلى الانحناء الصغير في المقبض. قد يرسم خطًا لا يشبه ما يراه، ويمحوه، ويجرب مرة أخرى. ما زال الكوب بعيدًا عن صورته على الورق، لكن صاحبه بدأ ينتبه إلى شيء لم يكن يراه حين كان يرفع الكوب ليشرب فحسب.

هذه محاولة أستطيع أن أفهم قيمتها دون أن أصف الرسم بالجيد. يمكن أن تكون النتيجة ضعيفة، ويكون الانتباه الذي صاحبها ممتعًا. وحين أتعلم شيئًا جديدًا، أريد أن أسمح لنفسي بهذا الفصل: مهارتي تحتاج إلى تدريب، أما حقي في المحاولة فلا يحتاج إلى نتيجة مبهرة كي يبدأ.

قد يصعب عليّ ذلك حين أكون معتادًا على الكفاءة في مجال آخر. كأن جهلي بتفصيل بسيط يهدد صورة أعرفها عن نفسي. لكنني لا أحتاج إلى حمل خبرتي كلها إلى كل بداية. أستطيع أن أسأل عن الخطوة الأولى، وأن أطلب شرحًا أبطأ، وأن أقول إنني لم أفهم. المعرفة السابقة لا تلزمني بتجاوز مرحلة التعلم.

وإذا طلبت رأيًا، يمكن أن أحدد ما يعينني الآن: أين أضع انتباهي في المحاولة المقبلة؟ ليس مطلوبًا من شخص آخر أن يمدح النتيجة، ولا مني أن أعرضها قبل أن أرغب. أستطيع الاحتفاظ بها لنفسي، أو مشاركتها مع من يحترم أنها تجربة في بدايتها.

هواية بالحجم الذي تتسع له حياتي

أعرف أن الوقت المتاح لا يتوزع بالتساوي بين الناس، ولا يبقى ثابتًا في حياة الشخص نفسه. وقد تمر فترة لا تتسع لرغبة جديدة أصلًا. لا أريد أن تتحول الدعوة إلى الفضول إلى عبء آخر، أو إلى حكم على من ينتهي يومه دون طاقة لمحاولة شيء مختلف.

حين تتاح المساحة، أريد أن أختار حجمًا أستطيع الاستمتاع به. ربما تكون قراءة متأنية بين وقت وآخر، أو تجربة بمواد موجودة، أو صحبة شخص يشاركني اهتمامًا. لا يلزم أن أشتري بداية كاملة، أو أن أعد نفسي بالمداومة قبل أن أتعرف إلى ما أنا مقبل عليه.

ومن الأمانة أيضًا أن تبقى المحاولة في حدودها. للتعلم الترفيهي مجال، وللعمل الذي قد يضر شخصًا أو مالًا أو شيئًا مستعارًا حدود أخرى. حماستي لا تمنحني خبرة ليست عندي، ولا إذنًا باستخدام ما يخص غيري. أستطيع اختيار تجربة آمنة، وطلب الإرشاد حين تتجاوز الخطوة معرفتي.

شيء أعود إليه برغبتي

ربما أتوقف بعد محاولتين، ثم أعود بعد مدة. وربما أكتشف أنني أحب مشاهدة هذا الفن أكثر من ممارسته. هذا أيضًا فهم لرغبتي، ولا أحتاج إلى تسمية كل توقف إخفاقًا. وإذا أردت أن أتعمق، أستطيع عندها اختيار معلم أو منهج وممارسة أكثر انتظامًا، انطلاقًا من رغبة اختبرتها قليلًا.

أحب أن يبقى في حياتي شيء أقترب منه دون أن ينتظر أحد مني أن أكون جيدًا فيه. أن ألاحظ تفصيلًا، وأجرب، وأضحك من نتيجة طريفة، ثم أعود لأنني أريد. وقد يكون ما بقي من المحاولة مجرد انتباه جديد إلى لون أو صوت أو كلمة. هذا سبب كافٍ لأن أكون سعيدًا بأنني بدأت.

ضمن

  • الحياة والموارد
  • الفضول
  • التعلم للمتعة