دفتر سليمان

مقال

كيف أختار ما أتعلمه حين لا أستطيع متابعة كل شيء؟

بين العمل والبحث والفضول، تتسع المواد التي تستحق المتابعة أكثر مما يتسع الوقت. تأمل في اختيار سؤال للتعلم، وتحديد العمق المناسب له، وترك مساحة لما نحب أن نفهمه.

حين فكرت في اختيار مواد أستمع إليها أثناء بعض الأعمال، كنت أبحث عن شيء أتعلمه ويصاحب يومي. لكن التفكير في قائمة للاستماع فتح سؤالًا أوسع: ما الذي أريد أن أعرفه أصلًا؟ هناك محاضرة تستحق الوقت، وحوار يفتح بابًا، وموضوع يتصل بعملي أو بحثي. وكل اختيار يمكن أن يقود إلى اختيارات أخرى.

بين العمل والبحث والحياة، أجد أسبابًا كثيرة للتعلم. وأريد أن أبقى قريبًا مما يحدث حولي، ومن أفكار وتجارب لم أعرفها بعد. هذه رغبة أحبها، ويهمني أن أمنحها شكلًا أستطيع العيش معه؛ فالمتابعة الواسعة قد تترك أسئلة كثيرة مفتوحة، بينما أنتظر من نفسي أن أفهمها كلها بالعمق نفسه.

السؤال الذي أحتاج إلى صحبته

يساعدني أن أبدأ بسؤال قريب: ما الذي أريد أن أفهمه الآن؟ قد أحتاج إلى توضيح مسألة تعطل عملي، أو فهم فكرة أحتاجها في البحث، أو تكوين صورة أهدأ عن موضوع يشغلني. حين أسمّي السؤال، يصبح اختيار المادة أسهل، وأعرف أيضًا لماذا أعطيها هذا الجزء من وقتي.

إذا أردت مثلًا أن أفهم سبب اختلاف نتيجتين، فقد أحتاج إلى قراءة طريقة الوصول إليهما. وإذا كنت أتعرف إلى مجال جديد، فقد تكفيني في البداية مادة تقدم أسئلته الأساسية ومصطلحاته. يختلف ما أختاره باختلاف ما أرجوه منه. وأحيانًا لا يكون السؤال ناضجًا بعد؛ أحتاج إلى قراءة تمهيدية كي أستطيع صياغته.

كتبت سابقًا عن تحويل الملاحظة إلى سؤال يمكن فحصه. وهذا باب من أبواب التعلم التي أحتاجها في العمل والبحث. وفي اختيار ما أتابعه، أريد أن أنتبه أيضًا إلى السؤال الذي يستحق أن أبدأ به، وإلى الأسئلة التي يمكن أن تنتظر حتى تنتهي حاجتي الملحّة إلى غيرها.

العمق الذي تحتاجه الفكرة

قد أستمع إلى حديث وأخرج منه باسم مفهوم، أو بملاحظة أريد العودة إليها. هذه بداية لها قيمتها. وأحتاج إلى أن أكون دقيقًا في وصفها لنفسي: تعرفت إلى الفكرة، وربما لم أفهم حجتها بعد. فمجرد قدرتي على تكرار عبارة جميلة لا يكفي كي أعتمد عليها في تفسير موقف أو اتخاذ قرار.

إذا أردت الاستناد إلى الفكرة في كتابة أو بحث، تصبح العودة إلى مصدرها جزءًا من العمل. ما الذي يقوله صاحبها فعلًا؟ وما الدليل الذي يقدمه، والظروف التي يتحدث عنها؟ قد أكتشف أن المثال أضيق من الخلاصة التي علقت بذهني. عندها يكون تصحيح الفهم مكسبًا يستحق التوقف عنده.

ولطريقة المتابعة نصيب في الاختيار. أريد من الاستماع أن يصاحب الأعمال التي تتسع له. وحين يحتاج ما أمامي إلى انتباهي الكامل، أفضل أن أعطيه ذلك الانتباه وأن أعود إلى المادة في وقت أنسب. بعض الأفكار أريد قراءتها ببطء، مع فرصة للسؤال والتوقف، وبعضها أستمتع بسماعه دون محاولة الاحتفاظ بكل تفصيل فيه.

مكان للفضول

وللفضول عندي مكان يتجاوز حاجات العمل المباشرة. قد أختار سيرة إنسان، أو حديثًا عن لغة، أو نصًا أدبيًا، لأنني أريد أن أقترب من عالم لم أعرفه. يمكن أن تكون المتعة والفهم سببين كافيين لهذا الاختيار. أريد لحياتي أن تتسع لما أحب، وأن تظهر هذه السعة فيما أتعلمه أيضًا.

لكن كثرة الأبواب المفتوحة تحتاج مني إلى اختيار. أستطيع أن أصحب موضوعًا لبعض الوقت، وأن أترك غيره إلى فرصة أخرى. وقد أكتفي بتسجيل عنوان واحد يهمني مع سبب اهتمامي به. هذا السبب يساعدني لاحقًا على معرفة إن كانت الرغبة ما تزال حاضرة، أو أنني كنت منجذبًا إلى طريقة تقديم الموضوع فحسب.

وأحتاج إلى قبول أن تتغير رغبتي أثناء المتابعة. ربما يتضح أن المادة لا تجيب عن سؤالي، أو أنني أحتاج إلى تمهيد مختلف قبلها. يمكنني التوقف واختيار طريق أنسب. الوقت الذي أمضيته يساعدني على فهم حاجتي، ولا يلزمني وحده بإكمال مادة لم أعد أعرف لماذا أتابعها.

ما الذي بقي معي؟

بعد الاستماع أو القراءة، أحب أن أسأل عما أصبح أوضح. قد أستطيع شرح فكرة بكلماتي، أو تحديد موضع لم أفهمه، أو معرفة المصدر الذي أحتاج إلى الرجوع إليه. وقد يبقى معي سؤال أفضل من السؤال الذي بدأت به. هذه آثار أقدرها أكثر من مجرد وصولي إلى نهاية القائمة.

وحين تكون هناك فكرة أحتاجها لاحقًا، يكفيني أن أحفظ ما يعينني على العودة: معناها كما فهمته، ومصدرها، وما بقي غير محسوم فيها. أما بعض المواد فقد تؤدي غرضها في لحظة قراءتها؛ تمنحني متعة أو تفتح لي نافذة، ثم أتركها تمضي دون واجب إضافي لتوثيقها.

أريد أن يرافقني التعلم في هذه المرحلة من حياتي بصورة أستطيع الاستمرار معها. أن أعطي سؤالًا يستحق وقتًا كافيًا، وأترك بابًا للفضول، وأكون صادقًا بشأن ما فهمته وما زلت أتعرف إليه. سيبقى كثير مما لم أتابعه، وأرجو أن يصبح اختياري لما أتابعه أكثر تعبيرًا عن الحياة التي أحاول بناءها.

ضمن

  • الحياة والموارد
  • التعلم
  • الوقت والانتباه
  • تأملات يومية