قد أشعر بالحرج حين يوجّه إليّ سؤال لا أملك له جوابًا، وخصوصًا إذا ظن السائل أنني أعرف. يصبح أمامي حينها أمران مختلفان: السؤال نفسه، والصورة التي أحب أن تبقى عني. أتمنى أن أكون نافعًا، لكن الرغبة في أن أبدو عارفًا قد تدفعني إلى كلام يتجاوز ما أستطيع تأكيده. في هذه المسافة الصغيرة أحتاج إلى أن أتذكر أمانة الكلمة.
لا أعلم. جملة قصيرة، لكن قولها بصدق قد يحتاج إلى أن أترك شيئًا من تعلقي بتلك الصورة. أريد أن أتعلمها دون خجل من التعلم، ودون أن أجعلها وسيلة للتهرب من سؤال أستطيع البحث فيه. ما أرجوه هو أن تكون معرفتي وحدودها ظاهرتين لمن يتلقى كلامي، وأن يكون الله حاضرًا في نيتي قبل أن أبحث عن قبول الناس.
أتوقف في ذلك عند قوله تعالى:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾
الآية في سياقها
تأتي الآية 36 من سورة الإسراء ضمن توجيهات تتصل بالمسؤولية في التعامل؛ تسبقها الوصية بالوفاء بالعهد وإتمام الكيل والوزن بالعدل، ويليها النهي عن المشي في الأرض مرحًا. أقرأها ضمن هذا السياق، لا بوصفها عبارة منفصلة لتجميل الحديث عن المعرفة. فالكلام نفسه يدخل في ما يسأل الإنسان عنه، كما يدخل فعله وتعامله.
ينقل الطبري عند تفسير الآية أقوالًا في النهي عن القول بغير علم واتهام الناس بما لا نعلمه عنهم. ويرجح المعنى المتصل بالقول للناس وفيهم دون علم، بما يشمله من رمي بالباطل وشهادة بغير حق. ويشرح ختام الآية بمساءلة الجوارح عما ادعى صاحبها أنه سمعه أو رآه أو علمه. هذا تلخيص للمعنى المنقول؛ وما يلي تأملي الشخصي في أثره على طريقة عيشي وكلامي.
ألا يكون الجواب حماية لصورتي
حين أفكر في الكتابة والبحث والعمل، أرى مواضع كثيرة يمكن أن تختلط فيها المعرفة بالألفة. قد يكون الموضوع قريبًا من عملي، لكن هذا لا يجعل كل سؤال فيه معلومًا لي. وقد أتذكر نتيجة قرأتها، دون أن أتذكر شروطها أو ما إذا كانت تصلح للسؤال المطروح. لا أريد أن يسدّ حسن العبارة هذه الفجوة بدل أن أكشفها.
يمكنني أن أقول: هذا ما أعرفه في هذا الجزء، أما الباقي فيحتاج إلى تحقق. أو: لدي تفسير محتمل، لكنه ليس نتيجة ثبتت. بهذه الكلمات لا أقدم نقصي بوصفه فضيلة؛ أصفه كما هو. وربما لا تكون الإجابة مرضية لمن يستعجل، لكنني لا أملك أن أستعير يقينًا لا أملكه كي أرضيه.
وأحتاج إلى مراجعة نيتي حين يكون التراجع أصعب من الجواب الأول. هل أواصل الدفاع لأن الدليل ما زال يؤيدني، أم لأن الاعتراف بالخطأ يحرجني؟ أرجو أن يعينني تذكّر المسؤولية أمام الله على تقديم الحق على راحتي في النقاش. وأن أبقى قادرًا على قول إنني أخطأت، دون أن أطلب من الآخرين تصغير الخطأ كي أحتمله.
بين ما سمعت وما فهمت
قد يصلني كلام واضح في صياغته، فأنتقل من فهمه إلى تصديقه بسرعة. لكن وضوح الرواية لا يبين وحده كيف عرف صاحبها ما يقول. وحين أفكر في نقلها، أحتاج إلى أن أميز بين أنني سمعتها، وأنني تحققت منها، وأنني استنتجت شيئًا منها. هذه أفعال مختلفة، ولا أريد أن تحمل عبارتي شهادة لم أقم بها.
وفي الكتابة، أريد أن يبقى للمصدر حدّه. إذا لم يسند إلا جزءًا من الفكرة، فلا أجعله غطاءً لبقيتها. وإذا كان ما أقوله رأيًا أو مثالًا مفترضًا، أسميه كذلك. هذا تطبيق شخصي أستحضره وأنا أتأمل الآية؛ أرى فيه طريقة لألا يبدو ما أضعه بين أيدي الناس أكثر ثبوتًا مما هو عليه.
قد يعني ذلك أحيانًا ألا أرسل معلومة أعجبتني، أو أن أؤخر فقرة حتى أعود إلى أصلها. ليس كل تأخير تقصيرًا في الإفادة. وربما كانت الإفادة في أن أوضح للسائل أين تنتهي معرفتي، وأين يبدأ السؤال الذي يحتاج إلى شخص أقدر أو مصدر أنسب. أريد لحرصي على المشاركة أن يصاحبه حرص على ما سيبنيه غيري عليها.
للناس حق في ما لا أعرفه عنهم
أجد في تفسير الطبري تذكيرًا خاصًا بخطورة الكلام في الناس. وفي حياتي أحتاج إلى هذا التذكير عندما أميل إلى تفسير فعل رأيته بنية لم أرها. فإذا تأخر شخص عن الرد مثلًا، فهذا أمر يمكن وصفه؛ أما أنه تعمد إهانتي أو استخف بي فحكم آخر يحتاج إلى ما يسنده. شعوري بالضيق حقيقي، لكنه لا يكشف وحده ما في قلب غيري.
لا أريد لهذا الاحتياط أن يمحو أذى واضحًا أو يمنعني من رفض الظلم. أستطيع أن أصف الفعل وآثاره، وأطلب حقًا، وأضع حدًا لما يضرني، دون أن أضيف إلى معرفتي تفاصيل لا أملكها. كما لا أريد أن أستعمل عبارة «لا نعرف كل شيء» ذريعة لإهمال ما ثبت. العدل الذي أبحث عنه يحتاج إلى صدق في الإثبات وصدق في التوقف.
وإذا عرفت شيئًا صحيحًا عن إنسان، يبقى سؤال آخر: هل لي أن أنشره؟ صحة المعلومة لا تحسم وحدها حق التصرف فيها. هذا سؤال أخلاقي أضيفه إلى مراجعتي الشخصية، لا تفسيرًا إضافيًا أضعه في الآية. أريد أن يبقى للناس سترهم وخصوصيتهم، وألا تتحول معرفتي بهم إلى مادة أستعملها لإظهار معرفتي.
من الاعتراف إلى ما أستطيع فعله
إذا كانت الإجابة من مسؤوليتي، فلا أريد أن تنتهي عند «لا أعلم» كل محاولة. أستطيع تحديد ما ينقصني، والعودة إلى مصدر، أو سؤال من يعرف. وقد لا أصل إلى جواب كامل، لكن يمكنني أن أبيّن ما فعلته وما بقي غامضًا. الاعتراف بالجهل يحدد نقطة البداية؛ والعمل الذي أقدر عليه يأتي بعدها دون ادعاء نتيجة مسبقة.
وإذا تبيّن أنني نقلت خطأ، فأرجو أن يكون التصحيح واضحًا لمن وصل إليه الكلام. لا يكفيني أن أعرف الحقيقة الجديدة في داخلي، بينما يبقى غيري معتمدًا على عبارتي القديمة. وقد يستدعي الأمر اعتذارًا أو بيانًا لما تغير. أحتاج هنا أيضًا إلى الرفق: أن أصلح ما أستطيع، وأتعلم، دون أن أحول الخطأ إلى حكم نهائي على نفسي.
ما أتمناه لهذا الأسبوع ممارسة صغيرة: أن أتوقف عند جملة واحدة قبل إرسالها، وأسأل من أين أعرفها. فإن لم أجد جوابًا، أراجعها أو أتركها أو أوضح حدودها. لا أتوقع أن يجعلني ذلك معصومًا من الخطأ. أرجو فقط أن يقلّ ما أحمّل به الناس من ظنون قدّمتها لهم في ثوب المعرفة، وأن يتسع قلبي للسؤال والتصحيح.
اللهم ارزقني صدقًا لا يطلب ستر الجهل بادعاء العلم، وتواضعًا لا يمنعني من التعلم. واحفظ سمعي وبصري وقلبي ولساني مما لا يرضيك. وأعنّي على ردّ الحق إلى أهله، والرجوع عن خطئي، وصون كرامة من أتكلم عنهم. واجعل ما أتعلمه نافعًا، وما أقوله أمينًا، وأعنّي على ترك القول بالباطل وعلى أداء الحق الذي أعرفه وأقدر عليه.
المصادر
- القرآن الكريم: سورة الإسراء، الآية 36 وسياقها
Quran.com
تاريخ الاطلاع: 2026-10-13 - جامع البيان: تفسير الطبري لسورة الإسراء، الآية 36
محمد بن جرير الطبري · مشروع المصحف الإلكتروني بجامعة الملك سعود
تاريخ الاطلاع: 2026-10-13