حين أفكر في الحياة التي أرجو أن أعيشها، أجدني أعود إلى تفاصيل قريبة: كيف أستقبل من يكلمني، وما الذي أتركه في نفس من يتعامل معي، وكيف أؤدي عملًا يستطيع غيري أن ينتفع به. قد يكون في الأفق مشروع كبير أو معرفة أريد بناءها، لكن طريقة عيشي تبدأ قبل أن تكتمل هذه الأشياء.
أرغب أن يكون بين ما أؤمن به وما أفعله في اليوم صلة أستطيع أن أراها. أن يدخل المعنى في طريقة الحديث، وفي قبول الملاحظة، وفي عناية صغيرة لا ينتبه إليها أحد. وأعرف أن هذه الرغبة تحتاج إلى مراجعة متكررة؛ فالنية الطيبة قد تسبق الفعل، وقد أتأخر أنا عن الوفاء بها.
من هنا أتوقف عند قوله تعالى:
﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ — سورة القصص، الآية 77.
الآية في سياقها
تأتي هذه الكلمات ضمن ما قاله قوم قارون له، في سياق الحديث عن المال الذي أُوتيه وبغيه على قومه. وتجمع الآية بين ابتغاء الآخرة بما أعطى الله، وعدم نسيان النصيب من الدنيا، والإحسان، والنهي عن الفساد. لذلك أحاول أن أقرأها كاملة في سياقها، وأن أتذكر المسؤولية المصاحبة لما في اليد من قدرة ونعمة.
وفي تفسير ابن كثير لهذه الآية، يربط الإحسان بالإحسان إلى الخلق، ويشرح النصيب المباح من الدنيا مع ذكر حقوق النفس والأهل وغيرهم. هذا هو المعنى المنقول الذي أستند إليه. أما ما يأتي بعده فهو تأملي الشخصي في كيفية الاقتراب منه في الحياة التي أعيشها.
أن أبدأ بما هو قريب
قد أتخيل الخير في صورة عمل كبير ينتظر ظروفًا أفضل: وقتًا أوسع، أو قدرة أكبر، أو استقرارًا لم يكتمل. لكن أمامي أيضًا إنسان يتحدث الآن، وعمل يحتاج إلى عناية، وكلمة يمكن أن أختارها برفق. هذه مساحة قريبة أستطيع أن ألتفت إليها بينما أسعى إلى ما هو أبعد.
أحيانًا يكون أول ما أستطيع تقديمه هو أن أفهم الحاجة قبل أن أعرض الحل. أن أسأل، وأن أترك للآخر وقتًا ليشرح، وأن أقبل أن ما أراه نافعًا قد لا يلائم حاله. فالاهتمام يفقد شيئًا من معناه عندما يصبح إصرارًا على أن يتلقى الناس الخير بالصورة التي اخترتها لهم.
وفي البيت، أرجو أن يظهر هذا المعنى في حضور أهدأ، وفي مشاركة مسؤولية، وفي حديث لا يحتاج صاحبه إلى منافسة انشغالي. لا أرغب أن تصبح العناية بمن أحب مؤجلة دائمًا إلى ما بعد نهاية العمل. لها مكان في الحياة نفسها، ولمن أحب حق في أن يجدوني قريبًا حين أكون معهم.
قد تبقى تفاصيل كهذه صغيرة في أعيننا، ويصعب أن نحكي عنها بوصفها إنجازًا. وهذا يمنحني فرصة لمراجعة ما أبحث عنه: هل أعتني بالأمر لما فيه من خير، أم لأنني أستطيع عرضه؟ لا أملك إجابة نقية في كل مرة، لكن السؤال يعيدني إلى نيتي.
الخير الذي يحفظ الكرامة
أخشى أن أقدم مساعدة ثم أثقلها بالتذكير بها، أو أن أنصت وفي داخلي حكم جاهز، أو أن أتكلم عن وجع شخص كأنه مادة تصلح لإظهار حساسيتي. حين أتأمل الإحسان، أحتاج إلى أن أنظر إلى طريقة تقديم الشيء بقدر نظري إلى الشيء الذي أقدمه.
أريد للمساعدة أن تترك للآخر صوته واختياره وخصوصيته. أن يستطيع الرفض أو السؤال دون حرج، وأن تبقى تفاصيله له. وقد تكون العناية أحيانًا في ألا أنشر قصة أعرفها، أو ألا أشرح للناس ما لم يأذن صاحبه بشرحه. ليست كل معرفة عندي ملكًا لي كي أرويها.
وأريد للرفق أن يبقى حاضرًا مع وضوح الموقف من الظلم. أن أسمّي الأذى وأرفضه، وأن أبحث عن فعل ينفع المتضرر، وأن أحفظ إنسانية من أتحدث عنهم. غضبي من فعل مؤذٍ يحتاج هو أيضًا إلى مراجعة: ما الذي سيدفعني إلى فعله، ومن سيتحمل أثره؟
أمانة ما أضعه بين أيدي الناس
في العمل، يأخذ هذا السؤال صورة أخرى. عندما أبني أداة أو أكتب فكرة أو أقدم معلومة، هناك شخص سيعتمد على ما أضعه بين يديه. أرجو أن يكون في عنايتي بالتفاصيل احترام لوقته، وأن يكون في توضيح حدود النتيجة احترام لقدرته على اتخاذ قرار واعٍ.
قد يستدعي ذلك أن أقول إن جزءًا لم يكتمل، أو أن أعود إلى خطأ وأصححه، أو أن أشرح سبب اختياري حتى يستطيع غيري مراجعته. أجد في هذا المعنى صلة بين الأمانة المهنية وما أرجوه من إحسان: أن يكون ظاهر العمل قريبًا من حقيقته، وأن أتحمل مسؤوليتي عما يحتاج إلى إصلاح.
ومع ذلك، لا أريد أن أربط الإحسان بصورة شخص لا يخطئ. أنا أحتاج إلى التعلم وإلى من ينبهني، وقد تكون استجابتي للتنبيه أصدق من الصورة التي أحب أن أحافظ عليها. الاعتذار الواضح، ورد الحق، وإصلاح ما يمكن إصلاحه أفعال أحتاج إلى أن أفسح لها مكانًا في فهمي لنفسي.
عناية تتسع للإنسان
أعود هنا إلى ذكر حقوق النفس والأهل في التفسير. وفي حياتي، يدعوني ذلك إلى مراجعة عطاء يحملني على الغياب عمن هم قريبون، أو التزامات أقبلها ثم أعجز عن الوفاء بها. أحتاج إلى أن أرى حدودي كما هي، وأن أتكلم عنها بصدق، وأن أختار من المسؤوليات ما أستطيع حمله بأمانة.
وقد أمر بيوم تكون فيه قدرتي أقل مما أرجو. أود أن أتعامل مع هذا بصدق ورفق، وأن أبقى قادرًا على طلب المساعدة. وكذلك حين أرى تعب غيري، أريد أن أبدأ بفهم ما يحتاجه، وأترك الحكم على قلبه وإيمانه؛ فأنا لا أعرف ما يحمله مما لم يقله.
لا أتوقع من فعل الخير أن يجعل الطريق خاليًا من المشقة، ولا أستطيع أن أحدد للناس موعدًا لانتهاء وجعهم. ما أرجوه هو أن يصاحب الإيمان طريقة مروري في الحياة: أن يعينني على حفظ العدل حين أغضب، وعلى قبول المراجعة حين أخطئ، وعلى إبقاء باب الرجاء مفتوحًا حين تضيق قدرتي.
حين أفكر في يوم عادي أرجو أن أعيشه بإحسان، أتخيل فعلًا أؤديه بعناية، وإنسانًا أترك له كرامته، وخطأ أملك شجاعة الرجوع عنه. وقد لا أرى أثر ذلك سريعًا. يكفيني أن أظل أتعلم أين يمكن أن يصل الخير الذي أستطيعه، وكيف أقدمه بقلب أقل انشغالًا بنفسه.
اللهم علّمني أن أرى نعمك دون غفلة، وأن أستعمل ما أعطيتني فيما يرضيك، وأن أحسن إلى خلقك، وأن أعود إليك حين أقصّر. واجعل لي في يومي نصيبًا من الصدق والعدل والرفق، واحفظ قلبي من أن يؤذي وهو يظن أنه يحسن.
المصادر
- القرآن الكريم سورة القصص الآية 77تاريخ الاطلاع: 2026-10-08
- تفسير ابن كثير لسورة القصص الآية 77
ابن كثير · مشروع المصحف الإلكتروني بجامعة الملك سعود
تاريخ الاطلاع: 2026-10-08